من مساهمات الطلاّب المبدعين

صور من إنجازات

الإنسان العربي و انتصاراته

&&&&&&&&&&&&&&&&&&

يبدو الإنسان العربي اليوم و كأنه  طالع ٌ من كهف ٍ مظلم ٍ أو فج ٍ عميق ٍمتلألئ ٍ بأقراطه وخلاخله، جارّا ً أحمال المعــــاناة و التعب الممزوجة برحيق الفرح و الأســــى ، و مع احتدام المعاناة يتكثــّـف الشـّـعور فيتعانق مع القلق الطالع من أنين الوقت الضائع و الدهر المتعفن ليلقي بظلاله الســـــوداء في مرابع الروح ، تلك التي تحاول أن تجد توازنا ً بين الحلم بكل نضارته و فرحته وبين الواقع  المأزوم و الملغوم بألف لغز ٍ و لغز ٍ بســـــبب الأعداد الكبيرة من الجراد الاســتعماريّ و الصهيونيّ التي هجمت كوحوش مفترسة لاغتراف الدم ، ممّا جعل العالم يعتقد أنه قضي على حاضر الوطن العربيّ ومســـتقبله، لكنّهم كانوا مخطئين لأنّه عندما اشـــــتدّت المعارك الطاحنة بين العـــــــرب من جهة و الاســتعمار و الصهيونيّة من جهة أخرى أثبت الجندي العربي قدرته في المواجهة ، فقدم تضحياتٍ كبيرةٍ كَـَــلـّــلــَت هذه المعارك بانتصارات ٍ و إنجازات ٍ زينت تاريخنا العربي بأعظم و أنصع بل أروع صفحات البطولة ، و كلّ هذا و ذاك اســــــتحث همّم الأدباء و أثار اهتمامهم فشرعوا يصورون ما يحدث إبّان كل انتصار ٍ و إنجاز ٍ يحققه بلد ٌ عربيّ ٌ.

و أخذوا ينظمون القصائد الطوال التي تشيد بالأبطال و تفتخر بانتصاراتهم ، حتــــــّى جاء يوم الجلاء و أي يوم ٍ أعظم من هذا اليوم، جلاء المحتل عن أراضينا ،و زوال الذلّ عن نفوس الناس، و لكل أمة ٍ جعل الله من نوره يوما ً يشرق في أمسها إشراق العيد أو يلمح في غدها وميض الأمل ، و هو أجل من آجال الله إذا جاء لا يؤخر،فقد آذن لفجر الحرية أن ينبلج عن شــمس ٍجديدة ٍ يطل منها وجه أيام ٍ مشـرقةٍ بالعطاء و البناء،  و رافق هذه الفرحة أن اشـــــــــتعلت حناجر الشعراء بالقصائد بعد أن جادت عليهم قرائحهم بفيض ٍ المشاعر التي تجول و تصول في قلوب الشعب من فرحة ٍ بجلاء المستعمر الفرنسي عن سورية ، و هذا ما عبر عنه شفيق جبري عندما قال :

حلم ٌ على جنبات الشام أم عيد                   لا الهم هم ّ و لا التسهيد تسهيد

أتكذب العين و الرايات خافقة                    أم تكذب الأذن و الدنيا أغاريد

كأن كل فؤاد ٍ في جلائـــهـــم                    نشوان قد لعبت فيه العناقــــيد

فهذه الفرحة قضت على كل النعرات الطائفية و الدينية التي عمل المستعمر على تحريكها بين الشعب قد جمعت بين مختلف الأديان فلم تكن حكرا ً على المسلم دون المسيحي ، فكلٌّ عبر عن مشاعره على طريقته الدينية الشائعة ، ففي حين دقت الكنائس أجراسها شاكرة ربها على النصر وعلت أصوات المساجد بالحمد و الشكر لله الغلبة العظيمة ، و هذا ما عبر عنه جبري حين قال:

على النواقيس أنغام ٌ مسبحة ٌ                  و في المآذن تسبيح و تحميد

و لما سالت الانتصارات على البلاد عاد نبض القلب ليبعث الحياة في شعراء الأمة  فحمل هؤلاء الأدباء  على أكفهم المضرّجة بحبر كلمات الأمل و التفاؤل ، فراحوا ينسجون على نول الحقيقة السحري حروفا ً من غور الحق ، رصفوها  في عقد لؤلؤ مكنون ، فصارت كلمات يتفجر من بين طياتها ينبوع  التفاؤل و الأمل و التحدي للمستعمرين ، و شعلة ً متربعة ً على جبل الحق لن تنطفئ مهما هطلت أمطارٌ من أمطار العدو الدموية المتلهبة بجمر العدوانية ، و مهما عصفت رياحٌ من رياح المستعمر الصفراوية الثائرة بعنصرية  ، وقد عبر عن ذلك الشاعر عمر أبو ريشة بقوله

لا يموت الحق مهما لطمت                          عارضيه قبضة المغتصب

و ها قد أطل اليوم التشريني ، ذلك اليوم الأغر حين ارتحل الأبطال البارزون من براثن قسوة الاحتلال و وحشيته ، تاركين عيونهم فوق المساحات المزروعة بالحديد و النار ، مصممين على النيل من المعتدين ، غير مبالين بأرواحهم حاملين دمائهم على أكفهم ، فلذلك حققوا النصر المبين المظفر ، ولكن بعد أن جعلوا من دمائهم مشاعل نور ٍ تهتدي بها البشرية على طريق حياتها الأزلية ، فاندفع الشعراء يتزاحمون على التغني ببطولات المغاوير من أبناء الشعب ، بعد أن لبست الأرض ثوب نصرها العقيقي المتزين بخضرة الحب و الخير و الأمل ، و هذا ما وصفه الشاعر نزار قباني حين قال :

كل جرح ٍ فيها حديقة وردٍ                           و ربيع ٌ ...و لؤلؤ ٌ مكنون

ها قد حطمت انتصارات فرساننا الذين ظهروا على حقيقتهم في المعارك ،ينظرون إلى السماء فيرونها قرب هاماتهم ،و ينظرون إلى الأرض فيرونها مصبوغة ً بدماء الأسبقين   غطرسة الأعداء ، و قضت على أسطورة جيشهم الذي لا يقهر ، حتى يأخذوا بثأرهم، و يشفوا جراحات السنوات العجاف من بعد النكسة المريرة ، و هذا ما عناه نزار قباني بقوله :

هزم الروم بعد سبع ٍ عجاف ٍ                        و تعافى وجداننا المطعون

و لا ننسى أن كل  قطر ٍ من أقطارنا العربية يمثل حبة ً من حبات اللؤلؤ  في عقد واحد، تزدان به الأمة و ترصع به صدرها،لتمشي مختالة بين الأمم ، فما بالك إذا انخدشت حبة ٌ من هذا العقد ، لا بد ّ أنه سيتغيّر مظهره الكلي ، و كل حبة ٍ تشعر بأختها بالرغم من زهوتها و جمالها و كبريائها .

 ولذلك أبرز الأدباء ما حصل  في وطننا في ظل هذا الفرح الطفولي الغامر  و النصر العامر ، لم ينس الناس أن الوطن العربي جسد ٌ واحد ٌ ، و أن قلبه الذي قد ّ من نار ٍ يعتصر  ألما ً ،  و هذا ما حاول نزار قباني أن يوصله للعالم بتأكيده على الروابط القومية إبان العرس التشريني ، فقال :

نحن عكا و نحن كرمل حيفا                     و جبال الجليل و اللطرون

فإذا كان التمع في الأفق البعيد فجر أدب جديد ،الكلمة فيه أمضى من حد الحسام ، و حروفه أفصح لهجة ً من نار تصعق ُ عندها الأحلام , لغته أنصع من لغة القنابل في  البيان ،وألهب من لواقح النيران ، ريح حبره أطيب من مسك نوافج ، و أسجر من ريح البارود تبعث في الحروف البيان ففيهما أي إنسان،فعندما تردد صدى حناجر الجماهير مبدعة ً أبهى الألوان عاكسة أجمل ألحان الشعر الرنان ، فالتحم نور الكلمات مع حناجر الجماهير كما تلتحم أشعة الشمس مع لجين الماء فتبدع ألوانا ً من الحسن و الجمال ،و هذا ما حصل عند ما قامت الوحدة بين سوريا و مصر و انطلق فجر التحرير يمحو آخر آية ٍ من آيات الليل المظلم و هو يحمل بين نسائمه أغاريد الهاتفين و أصوات الفرحين ، فعبر سليمان العيسى عن امتزاج أشعاره و التصاقها بحناجر أبناء الأمة قائلا ً : 

أنا في هدرة الحناجر أنســـــا                              ب ،هتافا ً ملء الدجى و دويا

الأهازيج ترعش الأفق حولي                              و تصب الحياة في مســـمعيّا

و عندما تكون الكلمة سلاحا ً جبارا ًيتلفظ بها  رجال صناديد ،فلا بد أن تعانق حروفها أكف نسائم التطبيق ، و تنصهر في بوتقة التنفيذ ، فهذا سليمان العيسى يعبر عن ارتباط قوله بفعله ،فيقول:

منذ يومين قد وجدت فعمري                          يوم أعلـــنت مولــــدي اليعربيّا

لا تلمــني فلن أعد حيــــاتي                           في دروب الضياع و الذل شيّا

فبالوحدة عانقت أمتنا المجد فوهبها حيوية ً و شبابا ً ، و تظللت الروابي بها و تهيأت تحت ظلالها الشباب ،فبعد أن غطى برقع التجزئة وجه الأمة، ألقت الوحدة عن وجهها النقاب ، فأمسى بريقها أقوى من لؤلؤ مكنون يكسو الرقاب ، و يجمع المشرّد بالأحباب و يقطع دابر الفراق و البعد . فأبرز سليمان العيسى أثر الوحدة بقوله :

يا ليالي الضياع و القيد زولي               نحن باقون وحدة ً لن تزولا

وحدةً تجمع المشرّد بالأهل                  عناقاً بعد الفراق طويلا

و لما كان الوطن أول أرض ٍ يراها الإنسان منذ تكتحل عينيه بنور الحياة ،و أكبر غيمة ٍ تظلله و تحتضنه ، فنتاج ٌ طبيعيّ ٌ أن يحسّ أن وطنه نسيج روحه و فيض عاطفته المنبثقة من صميم فؤاده الشفيف ، فيسعى للدفاع عنه ليحفر اسمه في كراسات الصمود و التضحيات ، و يختص بأغلب هذا الأدباء بمختلف أصولهم  لأنهم قلم هذه الأمة و مرآة آرائها ، فلذلك يشرعون بالتسابق على خطّ اسم الوطن في دفاتر التاريخ و كتبه ، و هذا ما فعله الشاعر عبد  الوهاب البياتي عندما خلد بطولة بور سعيد و تضحيات أبنائها الذين استعذبوا الموت لتحيا أمتهم ، فقال :

على رخام الدهر بور سعيد

قصيدة ٌ مكتوبة ٌ بالدم و الحديد

قصيدة ٌ عصماء

قصيدة ٌ حمراء

تنزف من حروفها الدماء

تهدر في رويها المنتصر الجبار

 صيحات فجر الثار

فإذا جُن ّ الليل و رمى بجدائله السوداء على الأفئدة التي تعشقت الحياة على أرض وطنها ، و ارتبطت حياتها بالإخلاص الوطني ، سيرميها في ليل الغدر بين أيادي السارقين المتاجرين المتنافسين لإشعال فتائل المعارك التي تحقق مصالحهم الدموية ,وهذا ما حدث في بور سعيد المدينة الباسلة فقال البياتي واصفا ً مصابها ومشيداً بصمودها فهي كما يقول:

شامخة كالنار

كالإعصار

في أوجه اللصوص

لصوص أوروبا من التجار

من مجرمي الحروب

و شاربي الدماء

مثل الفراشة لا تهرب من دائرة الاحتراق ،مثل المشاعل تخترق الظلماء تمنحها الضياء، مثل الجواهر المتوشحة بوشاح الكبرياء ، مثل ذوبان العقيق الأحمر على الروابي السوداء في لحظة اختلاء  ، صمدت بور سعيد و دافع عنها فلذات أكبادها ممن يتطلعون للأمن في كل مكان للأجيال القادمة ، وهذا ما أشار إليه البياتي بقوله :

عبر جدار الموت بور سعيد

صامدة ٌ كالبحر

لا تنام

يخوض في ساحاتها السلام

معركة الحياة

تحرسه بنادق الأنصار

و أعين الصغار

و شهد الكلام أن الانتصارات و الإنجازات العربية كانت  أشبه بفانوس ٍ مخملي يشع نورا ً ليملأ الأرض بالفرح و الطرقات النضالية بالضياء ، بل أشبه بالأشعة الفجرية  التي ظهرت مع أفول وانسحاب آخر نجمة من ليل معاناتها الطويل ،فبسّمَت بمائها القلوب العطشى للحرية و الوحدة ، و بشرت ببريقها العيون الدامية للنصر .

http://abdallahyousef.jeeran.com

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

الطالبة : رأم هشام المزعل

من ثانوية الباسل للمتفوقين

محافظة الرقة

 

ï»؟